أحمد بن محمد القسطلاني
32
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
في أن الآخذة ليست بعليا . ومحصل ما قيل في ذلك أن أعلى الأيدي المنفقة والمتعففة عن الأخذ ثم الآخذة بغير سؤال وأسفل الأيدي السائلة والمانعة . وكل هذه التأويلات المتعسفة تضمحل عند الأحاديث السابقة المصرحة بالمراد فأولى ما فسر الحديث بالحديث ، وقد ذكر أبو العباس الداني في أطراف الموطأ أن هذا التفسير المذكور في حديث ابن عمر هذا مدرج فيه ولم يذكر لذلك مستندًا . نعم ، في كتاب الصحابة للعسكري بإسناد له فيه انقطاع عن ابن عمر أنه كتب إلى بشر بن مروان : إني سمعت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول " اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى " ولا أحسب السفلى إلا السائلة ولا العليا إلا المعطية ، فهذا يشعر بأن التفسير من كلام ابن عمر ، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : كنا نتحدث أن اليد العليا هي المنفقة قاله في فتح الباري . وفي هذا الحديث التحديث والعنعنة ، ورواته ما بين بصري ومدني ، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي في الزكاة . 19 - باب الْمَنَّانِ بِمَا أَعْطَى ، لِقَوْلِهِ { الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلاَ أَذًى } الآيَةَ ( باب ) ذم ( المنان بما أعطى ) من الصدقة على من أعطاه ( لقوله ) تعالى : ( { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا } ) من الصدقات ( { منًّا } ) على من أعطوه بذكر الإعطاء له وتعدد نعمه عليه ( { ولا أذى } ) [ البقرة : 262 ] بأن يتطاول عليه بسبب ما أنعم عليه فيحبط به ما أسلف من الإحسان ، فحظر الله تعالى المنّ بالصنيعة واختص به صفة لنفسه إذ هو من العباد تكدير ومن الله تعالى إفضال وتذكير لهم بنعمه { الآية } إلى آخرها أي إلى قوله : { لهم أجرهم عند ربهم } أي ثوابهم على الله لا على أحد سواه { ولا خوف عليهم } فيما يستقبلونه من أهوال القيامة { ولا هم يحزنون } على ما فاتهم والآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف فإنه أتى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بأربعة آلاف درهم وعثمان فإنه جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها . وسقط في رواية غير أبي ذر قوله : { منًّا ولا أذى } واقتصر المؤلّف على الآية ولم يذكر حديثًا لكونه لم يجد في ذلك ما هو على شرطه . وفي مسلم من حديث أبي ذر - رضي الله عنه - : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة الذي لا يعطي شيئًا إلا منة والمنفق سلعته بالحلف والمسبل إزاره . وهذه الترجمة ثبتت في رواية الكشميهني كما قاله في الفتح ، وأشار في اليونينية إلى سقوطها في رواية أبي ذر والله الموفق والمعين . 20 - باب مَنْ أَحَبَّ تَعْجِيلَ الصَّدَقَةِ مِنْ يَوْمِهَا ( باب من أحب تعجيل الصدقة ) فرضها ونفلها ( من يومها خوفًا من عروض الموانع ) . 1430 - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ : " صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَصْرَ فَأَسْرَعَ ، ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ ، فَقُلْتُ - أَوْ قِيلَ - لَهُ فَقَالَ : كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ ، فَقَسَمْتُهُ " . وبالسند قال : ( حدّثنا أبو عاصم ) النبيل الضحاك بن مخلد ( عن عمر بن سعيد ) بضم العين في الأوّل وكسرها في الثاني النوفلي القرشي المكيّ ( عن ابن أبي مليكة ) بضم الميم وفتح اللام عبد الله ( أن عقبة بن الحرث ) أبا سروعة النوفلي ( - رضي الله عنه - حدثه قال : صلّى بنا النبي ) ولأبوي ذر والوقت : صلّى النبي ( - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - العصر فأسرع ) وفي باب : من صلّى بالناس فذكر حاجة فتخطاهم فسلم بدل قوله هنا فأسرع ( ثم دخل البيت فلم يلبث أن خرج فقلت ) : ولأبي الوقت في غير اليونينية فقلنا ( أو قيل له ) عن سبب سرعته ( فقال ) عليه الصلاة والسلام ؛ " كنت خلفت في البيت تبرًا " ذهبًا غير مضروب ( من الصدقة فكرهت أن أبيته ) بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد المثناة التحتية أي أتركه حتى يدخل الليل ( فقسمته ) وهذا موضع الترجمة لأن كراهته تبييته تدل على استحباب تعجيل الصدقة . قال الزين بن المنير ترجم المصنف بالاستحباب وكان يمكن أن يقول كراهة تبييت الصدقة لأن الكراهة صريحة في الخبر ، واستحباب التعجيل مستنبط من قرائن سياق الخبر حيث أسرع في الدخول والقسمة فجرى على عادته في إيثار الأخفى على الأجلى . 21 - باب التَّحْرِيضِ عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَالشَّفَاعَةِ فِيهَا ( باب ) استحباب ( التحريض على الصدقة ) بأن يذكر ما فيها من الأجر ( و ) ثواب ( الشفاعة فيها ) . 1431 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا عَدِيٌّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ : " خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلُ وَلاَ بَعْدُ . ثُمَّ مَالَ عَلَى النِّسَاءِ - وَمَعَهُ بِلاَلٌ - فَوَعَظَهُنَّ ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي الْقُلْبَ وَالْخُرْصَ " . وبالسند قال : ( حدّثنا مسلم ) هو ابن إبراهيم الفراهيدي الأزدي البصري قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج قال : ( حدّثنا عديّ ) هو ابن ثابت ( عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم عيد ) هو عيد الفطر كما صرح به في حديث باب الخطبة بعد العيد ( فصلّى ركعتين لم يصل قبل ولا بعد ) بالبناء على الضم